محمد هادي معرفة
215
التمهيد في علوم القرآن
أقول : هذه الأحاديث تدلّ صريحا على أنّ المراد من الغناء هو الأصوات الملهية . ونصّ على ما ادّعيناه من صيرورته حقيقة عرفية فيه . وأيّ دلالة أصرح على ذلك من حمل لهو الحديث على الغناء ! بل يفهم من هذه الأحاديث أنّ الغناء هو التغنّي بالكلمات الملهية لأنّ الصوت من حيث إنه صوت لا يسمّى حديثا ، إذ الحديث هو الكلام الخبري ، فكلّ صوت مطرب مشتمل على لهو الحديث فهو غناء حينئذ ، وأمّا الأصوات المطربة المشتملة على كلمات حقة فليست بغناء ، أو لا يرى أنّ نغمات الأوتار لا يسمى لهو الحديث وقول الزور ؟ وأنّ الأحاديث الواردة في ذمّ استماعها لا يعلّل بهما ، وهل يمكن أن تتّصف الكلمات الحقة من القرآن والأحاديث بسبب الترجيع لهو الحديث وقول الزور ؟ وأيّ عقل يجوّز أن يصير القرآن الذي هو أحسن ( وأصدق ) حديثا بسببه قولا زورا وكذبا صراحا وأن تتقلّب الآيات القرآنية الإنشائية بتطريب الصوت المترجّع بها إلى الحقيقة الخبرية وصارت أحاديث ملهية وأقوالا كاذبة ؟ أعاذنا اللّه وإيّاهم من سوء الفهم وقلّة التدبّر فإنه بئس القرين . فظهر حقّ الظهور ممّا ذكرنا وقرّرنا مرارا أنّ مرادهم ( عليهم السّلام ) من الغناء الذي نهوا عنه هو الأصوات الملهية التي يتصوّت بها الفسّاق ، ولمّا كانت هذه في ضمن الكلمات الملهية - كما هو شائع في زماننا هذا إذ لا تخلو الأزمنة عنهم وعن مقتضى طباعهم - عبّروا ( عليهم السّلام ) عنه بلهو الحديث وقول الزور ، بل يمكن أن يستدلّ بهذه الأحاديث على أنّ المراد بالغناء المذموم الأصوات المطربة في ضمن الكلمات الملهية ، كما ذهب إليه بعض الأفاضل والعجب كل العجب من أقوام ينتحلون فهم الحديث لأنفسهم ويدّعون صرف أعمارهم في تتبّعها كيف غفلوا عن هذه التصريحات وحكموا بحرمة مطلق السماع وكيف اجترءوا على مخالفة النصوص الصراح . نعم مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ